عبد الملك الخركوشي النيسابوري

83

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

منه يسمى قلبا ، قوله تعالى : وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ « 1 » ومقر المشاهدة منه يسمى فؤادا ، ومقرّ التوحيد منه يسمى اللب ، قوله تعالى : إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ « 2 » . وقيل لأبى يزيد : متى يبلغ الرجل مقام الرجال في هذا الأمر ؟ فقال : إذا عرف عيوب نفسه ، وقويت همته عليها . وقال أبو سعيد الخراز ، وذكر المقامات : الواصلون على أربع طبقات ، وسائر الناس من خارج ، فطبقة إذا هربوا ردوا ، وهؤلاء الذين يريد أن يدخلهم حظائر قدسه ، إذا رأوا تعظيم جلاله فعاينوا تلك الأنوار ، فهم يركضون أحيانا ويرجعون أحيانا ، قد أطلعهم على حقيقة ملكه ليصلحوا ، ويطيقوا الهجوم على عظمته ، أما سمعته يقول عزّ وجلّ : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ « 3 » ، وإنما أراه ذلك ليطيق الهجوم على عظمته ، فكذلك هذا . وطبقة يقطعهم عن حلاوة ذكره ، فيدهشون عندها ويتحيرون ويسألون العلماء ، ويظنون أنه نقصان وليس ذلك بنقص ، وإنما هو لطف من اللطيف الخبير ، يريهم جلاله وعظمته مداراة لهم ، ليقفوا على ثوابه ، إذا منّ به عليهم سخت قلوبهم ، وذلك أنّ المريدين في تعب إلى أن يعلموا أنّ اللّه عزّ وجلّ يريدهم ، فإذا علموا استراحوا ، ولم يختاروا عليه ولم يشتغلوا عنه ، وكانوا ناظرين في اختياره لهم راضين بذلك . وطبقة أحاط بهم ، فليس يمكنهم الهرب ، فهؤلاء قد نضجت قلوبهم ، فارتفعت أرواحهم واستنارت بنوره ، وقد تاهوا هنالك في فيافى نوره ، فهم لا يفقهون شيئا دونه ، ولا يبرحون فهؤلاء عنده في القرب يرجعون أحياء ، ولا رجعة إلا بالجوائز السنية ، والمواهب الهنية قد اقتطعهم قربه عن ذكره ، فنسوا أنفسهم ونسوا حوائجهم ، فهم لا يسألونه شيئا ، ويثقل عليهم الذكر في حال قربهم منه . وطبقة مصونون لا يبرحون ، فهؤلاء خاص الخاص ، قد ولهت عقولهم من تعظيم جلال اللّه سبحانه ، وقد تاهوا في حيرة ولا حيرة لهم . وهم الذين انتهى إليهم عقل العقلاء ، ولهم عند الحقّ مقعد صدق ، فافهمه رشيدا . وقال الشبلي : إذا كنت متحيرا في التوحيد ، فقد أوصلت إلى مقام التفريد ، ومن كان منفردا في توحيده ، صار مختصرا في طريقه .

--> ( 1 ) سورة الحجرات : 7 . ( 2 ) سورة الرعد : 19 . ( 3 ) سورة الأنعام 75 .